جائزة الشيخ زايد للكتاب تنظم ندوة "الحوار الثقافي العربي الروسي" في موسكو

أبوظبي،

بالتعاون مع معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية

 
نظمت جائزة الشيخ زايد للكتاب يوم الإثنين الموافق التاسع من ديسمبر ندوة بعنوان "الحوار الثقافي العربي الروسي" بالتعاون مع معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، في فندق "ريتز كارلتون" بالعاصمة الروسية موسكو، في خطوة استراتيجية لتعريف الجمهور الروسي بأهم مبادراتها، وتشجيع الترشيحات التي تستقبلها سنوياً من جميع أنحاء العالم. 

تأتي إقامة الندوة ضمن إطار الحوار الإماراتي العربي - الروسي لتسليط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه الثقافة الروسية وجهودها المتواصلة في دراسة المنجز الثقافي العربي الإسلامي، لما لذلك من دور مهم في إرساء علاقة تقوم على الاحترام المتبادل وقبول الآخر، ونشر ثقافة الحوار والتسامح بين الأمم، إلى جانب تعزيز العلاقة الثنائية بين دولة الإمارات وروسيا التي تشهد تطوراً مستمراً في شتى المجالات، حيث يولي البلدان عناية خاصة بالعلاقات الثقافية بينهما، إيماناً منهما بأهميتها في مد جسور التواصل بين الشعبين.

شارك في الندوة سعادة معضد حارب الخييلي سفير دولة الإمارات لدى جمهورية روسيا الاتحادية، وسعادة الدكتور علي بن تميم رئيس مجلس إدارة هيئة أبوظبي للغة العربية وأمين عام جائزة الشيخ زايد للكتاب، وسعادة ميخائيل بوغدانوف الممثل الخاص للرئيس الروسي في الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا، والبروفسور فيتالي نعومكن مدير معهد الإستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، والسيد يوري بوليا مدير إدارة نشر الكتب في الوكالة الفيدرالية للإعلام العام، والدكتور فاسيلي كوزينتسوف رئيس المركز العربي والإسلامي في معهد الإستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، والدكتور دميتري ميكولسكي الباحث المختص في التاريخ العربي في معهد الإستشراق. حضر الندوة عدد من ممثلي السفارات العربية، ومراسلين من المؤسسات الإعلامية العربية والروسية، ومؤلفين ومترجمين مهتمين بالأدب العربي والروسي، وطلبة وباحثين روس، وعدد كبير من الناطقين باللغتين العربية والروسية من المختصين في هذا المجال.

رحب سعادة الدكتور علي بن تميم في الجلسة بالحضور، مقدماً نبذة تعريفية موجزة عن "جائزة الشيخ زايد للكتاب"، التي انطلقت عام 2006، وحملت اسم المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه"، الذي عبر عن إيمان راسخ بأن العلم والمعرفة والثقافة، هي الأساس المتين لتقدم الأمم وحجر الزاوية في الحضارة ومرتكز بناء الإنسان، وقد عبر المغفور له الشيخ زايد في مناسبات عدة عن تقديره للكتاب بوصفه الركيزة الأساسية لقيام حضارات الأمم، وقدرتها على الأخذ بأسباب التقدم.

وأشار بن تميم أن الجائزة تسعى إلى تشجيع المبدعين والمفكرين في مجالات المعرفة والفنون والثقافة العربية والإنسانية، وتكريم الشخصية الأكثر عطاء وإبداعاً وتأثيراً في حركة الثقافة العربية، بالإضافة إلى المساهمة في تشجيع الحركة الثقافية والإبداعية من خلال الكتاب تأليفاً ونشراً وترجمة وتوزيعاً.

وأكد سعادة الدكتور علي بن تميم على متانة العلاقات العربية – الروسية وعلى تاريخ الإستشراق، وتأثير المترجمين الأوائل الذين ساهموا في تعلق العرب بالثقافة والأدب الروسي. وقدم أمثلةً عن مستشرقين ومترجمين عرب وروس، كانت لهم أدوار ريادية ومؤثرة في بناء هذا التواصل الحضاري والفكري العميق، بداية من الاهتمام بالشرق العربي، إلى إنشاء الأكاديمية العلمية في مدينة بطرسبرغ الروسية عام 1724، ما أفضى إلى نشوء حركة استشراق روسية، أسهمت في التعريف بالثقافة العربية ومد جسور الحوار بين الثقافتين، من أمثال المستشرق الروسي الشهير اغناطيوس كراتشكوفسكي، صاحب كتاب "تاريخ الأدب الجغرافي العربي"، الذي أوضح أن التجارة كانت منفذ الثقافة العربية للعبور إلى الثقافة الروسية.

واستطاعت الثقافة العربية أن تلفت نظر عدد من المبدعين الروس من أمثال بوشكين وليرمنوف ودستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وغيرهم، فتعلم تولستوي العربية ودافع عن ثقافتها، وقد كانت بينه وبين الشيخ محمد عبده مراسلات تنم في مجملها عما كان ينطوي عليه ذلك المبدع الكبير من احترام للثقافة العربية التي قدرته واحتفت بأعماله. من هذا المنطلق، أشار سعادة الدكتور علي بن تميم، إلى أهمية تطوير أنطولوجيا عربية روسية تتيح للباحثين استرجاع ترجمة ومترادفات ومعاني الكلمات من المعاجم العربية والروسية. 

ودعا بن تميم إلى عقد مؤتمر ألسني - لغوي حول العلاقة الروسية – العربية، يعنى بأصول وتاريخ وتفاصيل هاتين اللغتين والاستفادة من غناهما الكبير وتأثيرهما على الثقافة والحضارة، مؤكداً أهمية تأسيس معجم تاريخي يعنى بالتأثير اللغوي بين اللغة العربية واللغات الأخرى وخاصة الروسية، وهذا يتطلب تكثيف الجهود وإيجاد آليات وأنطولوجيا تجمع الأدب واللغة العربية مع الروسية، وإيجاد أسماء جديدة وواعدة لمترجمين محترفين وموهوبين، يكملون رسالة المترجمين والمفكرين الأوائل الذين نقلوا أعظم الأعمال والمؤلفات الروسية إلى العربية، وهذا مايتجسد عبر جائزة الشيخ زايد للكتاب بفروعها التسعة، ودعمها بكل الوسائل المتاحة، وإيجاد طبعات وترجمات حديثة في حال عدم توافر أو غياب بعض الطبعات القديمة. 

تجمع الإمارات وروسيا العديد من الفعاليات السنوية التي تعبر عن الجهود المبذولة لتعميق الجانبين الثقافي والفني بينهما، حيث تشارك كلا البلدين في العديد من المعارض والمهرجانات التي تقام في كل بلد على حدة، وذلك بهدف تعزيز فرص تبادل الخبرات وتوطيد العلاقات التاريخية بين الثقافة الإماراتية والروسية. وكان معرض أبوظبي الدولي للكتاب قد أعلن في وقت سابق، عن اختيار روسيا ضيف شرف الدورة الثلاثين التي ستقام خلال شهر أبريل من العام القادم 2020، حيث من المتوقع أن تستقطب مشاركة روسيا أعداداً كبيرة من الزوار عبر مختلف الفعاليات والأنشطة التي تقام على امتداد فترة المعرض، وتشمل هذه الفعاليات مجالات الأدب والثقافة والفن والموسيقى والسينما والرقص. وفي المقابل، ساهم معرض موسكو الدولي للكتاب 2019 في عرض آخر الإصدارات الأدبية والفكرية الإماراتية على الجمهور الروسي، واختيار الشارقة ضيف شرف للمعرض. 

أسفرت الندوة عن تعاون مشترك بين معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية في موسكو، و مشروع "كلمة" للترجمة التابع لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، وهو مشروع ثقافي متكامل يهدف إلى إحياء حركة الترجمة في العالم العربي، والذي قام بترجمة مايزيد عن ألف كتاب إلى 14 لغة، بالإضافة إلى ترجمة كنوز الأدب والثقافة العالمية وخاصة الروسية إلى القارئ العربي بصيغة حضارية ومعاصرة.

من جهته، أكد سعادة معضد حارب الخييلي سفير دولة الإمارات في روسيا، أهمية الأدب والشعر والثقافة في حياة الشعوب. وأشار إلى التواصل الروسي – العربي الذي يتيح للقراء الروس معرفة الكثير عن الثقافة والفكر العربي، بما يمنح البلدين فرصة الترويج للإرث الثقافي الذي يمتلكانه.

كما استعرض البروفسور فيتالي نعومكن تاريخ العلاقات العربية الروسية، من خلال الشعر والترجمة، وتوقف عند المستشرقين الذين كان لهم أدوار مضيئة في عوالم الفكر، ومد جسور الحضارة والتواصل بين الشعوب. وأكد ريادة مبادرة جائزة الشيخ زايد للكتاب في عالم الفكر والترجمة والثقافة.

من جانبه، أشار سعادة ميخائيل بوغدانوف، إلى دور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" في بناء الدولة وتجسيد الفكر وتبادل الثقافات، كونه الأب المؤسس للعلاقات الروسية – العربية منذ بداياتها. فيما استعرض الدكتور فاسيلي كوزنيتسوف، تاريخ العرب ووصولهم منذ قرون بعيدة إلى مناطق مختلفة في روسيا ونشر ثقافتهم، مما أسهم في توطيد العلاقات الثقافية بين الشعبين. ومن الناحية اللغوية والفكرية، أثنى الدكتور دميتري ميكولسكي على العلاقات التاريخية بين العرب والروس، مؤكدا أهمية عقد اللقاءات المتواصلة لتعزيز الثقافة والبحث المشترك خاصة في مجالات اللغة والفن والتراث.

وتحدث السيد يوري بوليا مدير إدارة نشر الكتب في الوكالة الفيدرالية للإعلام العام، عن عمق العلاقات العربية الروسية، وأشار بدوره إلى أسماء ساهمت بشكل فاعل في تبادل الثقافة العربية – الروسية على الرغم من البعد الجغرافي، "الصلات الإنسانية والحضارية قدمت كنوز الأدب الروسي والعربي لعشاق القراءة من الشعبين. وجاءت جائزة الشيخ زايد للكتاب كمبادرة فريدة من نوعها، لتتولى إدارة تبادل الثقافات والترجمة والتواصل بينهما".

وشهدت الندوة الثقافية أيضاً تقديم مقطوعات موسيقية، مزجت فيها العازفات الموسيقى العربية مع الموسيقى الروسية، والتي نالت استحسان وإعجاب الحضور.