أخبار

فتحي المسكيني: الترجمة تعريب للمعاني الكونية وتدرُّب على ما هو كوني في لغتنا

ضمن برنامجها الثقافي على هامش معرض أبوظبي الدولي للكتاب 23، استضافت جائزة الشيخ زايد للكتاب الفائز بفرع الترجمة لهذا العام الدكتور فتحي المسكيني (تونس) في (مجلس الحوار) صباح السبت الموافق 27 أبريل 2013 للحديث عن تجربته في ترجمة كتاب الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر (الكينونة والزمان).

قدم للضيف الأستاذ الدكتور خليل الشيخ، عضو (الهيئة العلمية) في الجائزة الذي استعرض السيرة العلمية والمهنية للدكتور المسكيني، وهي سيرة حافلة بالعطاء العلمي والفلسفي والترجمي، إذ ولد المسكيني في مدينة جندوبة بتونس عام 1961، وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 2003، وله عدد من المؤلَّفات، منها: (هيغل ونهاية الميتافيزيقا)، تونس، 1997. و(فلسفة النوابت)، بيروت، 1997، و(الهوية والزمان)، بيروت، 2001، و(نقد العقل التأويلي)، بيروت، 2005، و(الهوية والحرية)، بيروت، 2011، و(التفكير بعد هيدغر)، بيروت، 2011.

وفي مجال الترجمة نشر كتاب فردريك نيتشه (جينالوجيا الأخلاق)، تونس، 2010، وكتاب كانط (الدين في حدود مجرَّد العقل)، بيروت، 2012، وغيرها، وعدد من الدراسات الفلسفية باللغات العربية والفرنسية والألمانية.

في بداية حديثه تساءل المسكيني: “بأيّ معنى تكون الترجمة سياسة للحقيقة في ثقافة ما؟”، وقال في هذا المجال: “ليست الدول غير سياسات واسعة النطاق لترجمة فكرة الإنسانية في أفق شعب ما”.

وتحدث عن علاقة الترجمة بالتنمية الثقافية، بل والسياسية حتى، وقال في هذا المجال إن “الدول لا تفعل ذلك إلاّ بناءً على تصوّر ما للحقيقة، فلا يمكن أن نحكم من دون تربية معيّنة للعقول، وبما أنّ العقل هو الثروة الوحيدة التي تتخطّى حدود اللغة والدين والقومية والجهة والانتماء السياسي، فإنّ العقل هو بطبعه قدرة فذّة على ترجمة المعاني من حال لغوي إلى آخر، ومن إنسانية إلى أخرى، من دون أيّ مجال للتعصُّب أو الهوى”.

وتوقف عند المهمة الحقيقية للترجمة، نافياً أن تكون مجرَّد فعل ميكانيكي هدفه نقل معنى من لغة إلى أخرى، ذلك أن مهمة الترجمة هي عمل أخلاقي بالدرجة الأولى، وأضاف قائلاً: “يبدو أنّ بين جميع الشعوب أواصر قرابة روحية مثيرة وغامضة ليس لها من تفسير مناسب سوى فكرة الإنسانية. وهكذا فإن مهمّة ترجمة أمّهات الكتب والنُّصوص العالمية إلى لغتنا هو عمل أخلاقي من الطراز الرفيع يتمثل في ترسيخ شروط الانتماء إلى نادي العقل الإنساني، ولكن بلساننا، وبقيمنا العميقة، يحدونا في ذلك أمل واسع في أن تختلط مصادر أنفسنا القديمة بمصادر النَّفس الإنسانية بعامة، كما تجلّت للشعوب التي تقود تاريخ العالم الحالي”.

وقاده ذلك إلى الحديث عمّا أسماه بـ (آداب الترجمة) التي انطلقت منها رؤيته في فهم الترجمة التي هي “عمل أخلاقي من الطراز الرفيع” كما قال. ومن تلك الآداب انطلق المسكيني شطر ترجمة كتاب الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر (الكينونة والزمان) الذي ظل عصياً على الترجمة إلى اللغة العربية منذ نشره بلغته الألمانية عام 1927 حتى صدور الترجمة العربية له التي اضطلع بها المسكيني نفسه هذا العام، وحاز بها جائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الترجمة.

وأشار المسكيني إلى الظروف المحيطة بترجمته لهذا النَّص الفلسفي الصعب الذي بدأ به منذ عام 2003، ورافقه في سنوات عدة حتى عام 2010، بل وأكد أن هذا الكتاب كان يرافقه منذ سنوات طويلة؛ يقرأه ويعيد قراءته مراراً وتكراراً حتى تشبَّعت روحه بلغته وخطابه وفلسفته.

وتحدَّث عن استخدامه للطبعات الألمانية العديدة لهذا الكتاب، ووقوفه عند الشروح والهوامش والتفسيرات التي رافقته على مدى سبعة عقود مضت، وراح يعيد قراءة الترجمة الفرنسية والإنجليزية، ويعقد المقارنات والمقاربات اللفظية والمصطلحية بين اللغتين العربية والألمانية، والاضطلاع بمفردات المصطلح الفلسفي العربي القديمة التي لجأ إليها المترجم العربي القديم عندما تصدّى لترجمة النُّصوص الفلسفية الأرسطوطاليسية والأفلاطونية، ونصوص الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن رشد وغيرهم من فلاسفة الإسلام. وفي هذا السياق، أكد المسكيني “أن الترجمة هي تعريب للمعاني الكونية، ولكن أيضاً هي تدرُّب على ما هو كوني في لغتنا ومصادر أنفسنا”. وقال “إن مارتن هيدغر الفيلسوف الذي يعود له الجميع”. وتحدث عن تجربة هيدغر في صياغة المصطلحات، لذلك أكد المسكيني أنه تعامل مع اللغة بكل ممكناتها واجتهد في ذلك وهو يتصدر لترجمة أحد النصوص الفلسفية المهمة في القرن العشرين.

وفي معرض السؤال عن رؤيته إلى جائزة الشيخ زايد للكتاب قال المسكيني: “إنها أفق مشرق في عالمنا العربي المعاصر”، وأضاف: “لقد شعرتُ بالفرح عندما أخبرني أخي الدكتور علي بن تميم، أمين عام الجائزة، هاتفياً بفوز ترجمتي لكتاب (الكينونة والزمان) بجائزة بفرع الترجمة هذا العام”.

وفي معرض سؤال صحفي عن شعور المسكيني لحظة سماعه خبر فوزه بالجائزة، قال: “شعرت بأن جهدي المتواصل والصعب في ترجمة هذا الكتاب لم يذهب سدى”.

وختم لقاؤه قائلاً: “أشكر دولة الإمارات العربية المتحدة قيادة وشعباً على تشجيعها للمترجمين العرب، وأشكر رئيس وأعضاء مجلس أمناء الجائزة على هذا التكريم الجميل للعلماء والمثقفين والمبدعين والمترجمين في كل مكان”.

شارك
تم نشره في

27/04/2013

شارك

تعرف على كيفية ترشيح كتاب لجائزة الشيخ زايد

إتصل بنا
اشترك الآن في رسالتنا الإخبارية
© 2018 جميع الحقوق محفوظة - جائزة الشيخ زايد للكتاب